أ – اليوم الثامن

“ورأى الله جميع ما صنعه، فإذا هو حسن جدّاً. وكان مساء وكان صباح، يوم سادس… وبارك الله اليوم السابع وقدّسه، لأن فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه الله ليصنعه” (تك1: 31، 2: 3). والإنسان مدعو بدوره إلى أن يقدّس اليوم السابع ويشارك في الفرح بجمال الكون.

ولكن هذا العالم سقط في الخطيئة وأفسد جماله، ولم يعد يومه السابع يوم فرح بجمال الخليقة. فعاش الإنسان والعالم كله، بعد السقوط زمن الحزن والغربة (تك3: 16-24)، إلى أن تجسَّد المسيح وقام من بين الأموات، فأدخل الإنسان والعالم كله في حقبة جديدة، وأشرق يوم جديد، يوم القيامة، يوم الربّ، اليوم الثامن (عب4: 1-11). فتجسّد المسيح وموته وقيامته تعني انتهاء الزمن القديم وبدء الزمن الجديد، زمن القيامة والفرح.

“السلام عليك أيتها الممتلئة نعمة. الربّ معك” (لو1: 28)، هذا ما قاله الملاك للعذراء، رابطاً الفرح بمصالحة الإنسان مع الله. أمّا المسيح الناهض من بين الأموات فكانت أولى كلماته للنسوة: “سلام لكنّ” (متى 28: 9)، فربط الفرح بحدث القيامة.

ب – الزمن الليتورجي

إن الأحداث التي نحتفل بها في كنيستنا مرتّبة بحسب الزمن الجديد الذي تحوّل بنور قيامة المسيح. ففي القداس الإلهي نحيا الوحدة الشاملة مع إخوتنا ومع الكون بأسره. ومحور سرّ الشكر هو جسد المسيح، أي حياة الربّ الإلهية-الإنسانية. ولكن هذا الجسد الإلهي-الإنساني مرتبط أيضاً بالعذراء مريم وبجميع القدّيسين (أنظر أف1: 22، 5: 23، كول1: 18-24، يو10: 16، 1كو10: 16-17، غلا3: 27-28، أف4: 4، 5: 30).

حياة القدّيسين هي حياة المسيح نفسها، المستمرة عبر الدهور. ونحن نتّحد بهم على أساس الطبيعة البشرّية التي أصلحها المسيح بتجسّده وموته وقيامته. ففي الليتورجيا الإلهية، وخاصة سرّ الشكر، نشترك في حياة المسيح وأحداثها وفي حياة القدّيسين، لأننا كلّنا، المسيح والقدّيسون ونحن، جسد واحد، وكلّنا “واحد في المسيح يسوع” (غلا3: 28).

في الأعياد الكنسيّة لا نتذكر فقط المسيح والقدّيسين، ولا “نعود” إلى أحداث التدبير الإلهي وحياة القدِّيسين، بل نحيا هذه الأحداث أسرارياً، ونشترك فعلياً في حياة المسيح والقدّيسين. ولذا فإن ترانيم كنيستنا لا تشير إلى الماضي بل الحاضر: “اليوم عُلِق على خشبة”، “لأن اليوم قد وافى زمان عيدنا وأجواق الملائكة القدّيسين تحتفل معاً”. أن استعمال كلمة “اليوم” ليس شكلاً تعبيرياً، بل حقيقة أسرارية كائنة في قلوب المؤمنين. فجميع القدّيسين والأجناد الملائكية يشاركوننا روحياً في فرحة العيد ويحيون معنا سائر المناسبات التي نعيشها، لأنها كلها تتكرّر في الحاضر بطريقة أسرارية.

البشارة والميلاد والختان واعتماد الربّ والتجلِّي والآلام والقيامة والصعود والعنصرة وأعياد جميع القدّيسين ليست أحداثاً وقعت في الماضي، ونجتمع الآن لنتذكرها ونتمثل بها. إنها تتجاوز ذلك كثيراً، ففيها تكمن حيويّة كنيستنا، لأنها تنقل إلينا شخص المسيح وأعماله، وعمل الروح القدس الذي يبقى حيّاً وفعّالاً في حياة كنيستنا. وهذه هي الخبرة الداخليّة للكنيسة ولكل مؤمن: ثمّة حقيقة واحدة، وهي حاضرة دائماً (أنظر متى16: 28، مر9: 1 لو9: 27، 17: 21).

ج – فترة الميلاد

ميلاد المسيح هو التعبير عن محبة الله للإنسان الساقط (يو3: 16)، لذلك تستعدّ له بالصوم أربعين يوماً، وهو يشمل أعياد الميلاد والختان ومعمودية الربّ، وينتهي بالأحد الذي يلي عيد الظهور الإلهي. وتعبّر ترانيم الكنيسة الميلادية عن فرح الإنسان والخليقة كلها بحدث الخلاص، وتحوّل فرحها إلى تمجيد شامل للمسيح المخلِّص: “المسيح وُلد، فمجِّدوه. المسيح أتى من السموات، فاستقبلوه. المسيح على الأرض، فارتفعوا. رتِّلي للربّ أيتها الأرض كلها، ويا شعوب سبّحوه بابتهاج لأنه قد تمجَّد”. “اليوم البتول تلد الفائق الجوهر. والأرض تقرب المغارة لمن هو غير مُقتَرب إليه. الملائكة مع الرعاة يمجِّدون. والمجوس مع الكوكب في الطريق يسيرون. لأن قد وُلد لنا صبيّ جديد، الإله الذي قبل الدهور”.

تُظهر الترانيم دائماً الحدث الإلهي-الإنساني بكامله. فالمؤمنون لا يرون في المولود الإلهي “طفلاً” عادياً، أو ولداً ضعيفاً حديث الولادة، إنما هو “الفائق الجوهر” و”غير المُقتَرب إليه” الذي يولد “ويقرّب” لخلاص الإنسان. وهذا الأمر واضح من ترانيم عيدَيْ ختانة الربّ ومعموديته: “أيها الربّ الجزيل التحنّن، إنك وأنت إله بحسب الجوهر، قد اتّخذت صورة بشريّة بغير استحالة. وإذ أتممت الشريعة، تقبّلت باختيارك ختانة جسديّة لكي تنسخ الرسوم الظلّية وتزيل قناع أهوائنا. فالمجد لصلاحك، المجد لتحنّنك، المجد لتنازلك الذي لا يوصف، أيها الكلمة” (في غروب عيد الختان).

“باعتمادك يا ربّ في نهر الأردن، ظهرت السجدة للثالوث، لأن صوت الآب تقدّم بالشهادة مسمّياً إياك ابناً محبوباً، والروح بهيئة حمامة يؤيّد حقيقة الكلمة. فيا من ظهرت وأنرت العالم أيها المسيح الإله المجد لك” (طروبارية عيد الظهور الإلهي).

د – فترة الفصح

الفصح هو ذروة السنة الكنسيّة، ويبدأ التحضير له بـ “التريوديون” أو “التريودي” (1)، وهو مجموعة النصوص الليتورجية التي تشمل آحاد: الفريّسي والعشّار، الابن الشاطر، مرفع اللحم ومرفع الجبن، تليها آحاد الصوم الكبير، حيث يدخل المؤمن حياة التوبة والنسك الشديد: “لنهربنّ من تشامخ الفريّسي الرديء. ولنتعلمنّ تواضع العشّار الحسن، لكي نرتقي هاتفين إلى الله معه: أغفر لنا نحن عبيدك، أيها المسيح المخلِّص وحدك” (في سحر أحد الفريّسي والعشّار).

“لمّا عصيتُ مجدك الأبوي بجهل وغباوة، بدَّدتُ في المعاصي الغنى الذي وهبتني. فلذلك أصرخُ إليك بصوت الابن الشاطر هاتفاً: لقد أخطأتُ قدَّامك، أيها الآب الرؤوف. فاقبلني تائباً واجعلني كأحد أجرائك” (في سحر أحد الابن الشاطر).

“لقد فُتح ميدان الفضائل، فادخلوا أيها الذين يؤثرون الجهاد، متمنطقين بجهاد الصوم الحسن. لأن المكافحين شرعياً يكلّلون بحق. فلنحمل سلاح الصليب ولنحارب العدو، ممتلكين الإيمان سوراً لا ينصدع، والصلاة درعاً، والصدقة خوذة، وعوض الحسام الصيام الذي يبتر من القلب كل شر. فمن يصنع هذه ينل يوم الدينونة الإكليل الحقيقي في المسيح ملك الكل”.

يبلغ الجهاد الروحي واليقظة أوجهما في الأسبوع العظيم المقدّس، حيث يُدعى المؤمنون للقاء المسيح وعيش آلامه أسرارياً: “ها هو الختن يأتي في منتصف الليل. فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً. أمّا الذي يجده متغافلاً، فهو غير مستحق. فانظري يا نفسي ألاّ تستغرقي في النوم ويُغلق عليك خارج الملكوت، وتُسلَّمي إلى الموت. بل كوني منتبهة صارخة: قدّوس قدّوس قدّوس أنت يا الله، من أجل والدة الإله ارحمنا” (في خدمة الختن).

“اليوم عُلِّق على خشبة، الذي علَّق الأرض على المياه. إكليل من شوك وُضع على هامة ملك الملائكة. برفيراً كاذباً تسربل الذي وشّح السماء بالغيوم. قَبِلَ لطمة الذي أعتق آدم في الأردن. ختن البيعة سُمِّر بالمسامير، وابن العذراء طُعن بحربة. نسجد لآلامك أيها المسيح، فأرنا قيامتك المجيدة” (الخميس العظيم).

وفي ليلة القيامة يعيش المؤمنون والكون بأسره داخل النور الذي لا يغرب، نور الفرح والتجليّ الذي يضيء الكل:

“إن البرايا بأسرها قد استوعبت الآن نوراً، السماء والأرض وما تحت الثرى. فلتعيّد إذاً الخليقة جميعها لقيامة المسيح التي بها نتشدّد” (في سَحر القيامة، الأودية الثالثة).

“إننا معيّدون لإماتة الموت وهدم الجحيم وباكورة حياة أخرى أبديّة، متهلّلين ومسبّحين من هو علّة هذه الخيرات، أعني به إله آبائنا، تبارك وتمجّد وحده” (في سَحر القيامة، الأودية السابعة).

لا يعيش المؤمنون يوماً عاديّاً، فالآن تبدأ “حياة جديدة”، لأن اليوم الثامن قد أشرق ولن يغرب المسيح إلى الأبد.

وتستمر فترة الفصح في حياة الكنيسة طوال الأسابيع الخمسة التي تلي القيامة، وهي آحاد: توما، حاملات الطيب، المخلّع، السامريّة والأعمى.

هـ – فترة العنصرة

تبدأ فترة العنصرة بعيد الصعود فتدخلنا ملكوت الروح القدس. فقد وعد الربّ تلاميذه لحظة صعوده أنه سيُرسل لهم الروح القدس الذي يجعلهم شهوداً له في العالم كلّه (أع1: 8): “صعدت بمجد أيها المسيح إلهنا، وفرّحت تلاميذك بموعد الروح القدس. إذ أيقنوا بالبركة، أنك ابن الله مخلِّص العالم” (طروبارية الصعود).

ويكتمل عمل المسيح الخلاصي يوم العنصرة، فيحلّ الروح القدس على الرسل ويكشف لهم سرّ المحبة الإلهية ويؤهّلهم للكرازة بالمسيح: “إن الروح القدس نور وحياة، وينبوع حيّ عقليّ، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقليّ، رئاسيّ، مطهِّر للهفوات، إله ومؤله، نار من نار بارزة، متكلِّم، فاعل، مقسِّم للمواهب، الذي به الأنبياء كافة ورسل الله مع الشهداء تكلّموا، سمعة مستغربة، رؤية غريبة، نار مقسومة لتوزيع المواهب”.

لم يعد الإنسان مشتَّتاً بعد الآن، ففترة بابل قد مضت، وأشرق على الإنسانية عهد جديد، عهد الإتِّحاد بجسد المسيح (أنظرتك11: 1-9، أع2: 5-12، رؤ7: 9-10). لذلك نرتِّل في سَحر العنصرة هذا التسبيح: “عندما انحدر العليّ مبلبلاً الألسنة كان للأمم مقسّماً، ولمّا وزّع الألسنة النارية دعا الكل إلى اتحاد واحد. فلذلك نمجِّد بأصوات متّفقة الروح الكليّ قدسه”.

النار الإلهية، أو “النفحة القويّة” التي تهبّ في العنصرة تعيد الإنسان إلى الوحدة مع الثالوث القدوس، أي إلى الإيمان الحقيقي القويم، وتجعله يسجد لإله واحد مثلّث الأقانيم هو خلاص الإنسان: “قد رأينا النور الحقيقي، وأخذنا الروح السماوي، ووجدنا الإيمان الحق، فلنسجد للثالوث غير المنفصل، لأنه خلّصنا”.

في الفترة الممتدة من القيامة إلى العنصرة يعيش المسيحيّون وسط نور القيامة، وكأنهم على جبل ثابور يحيون فرح التجلّي الذي لا يوصف. وتحظِّر الكنيسة السجود وحني الركب خلال هذه الفترة، لأنهما يشيران إلى الحزن والتوبة، بينما الزمن هو زمن قيامة، حيث يشعر الإنسان بالكرامة السامية التي اكتسبها بموت السيّد وقيامته المجيدة، فيبقى واقفاً كما يفعل الصدّيقون أمام عرش الله (رؤ20: 12). ولكننا في العنصرة نسمع الشمّاس يدعونا إلى السجود مجدّداً: “أيضاً وأيضاً بإحناء الركب من الربّ نطلب”. وهي دعوة المؤمنين للعودة إلى عالم السقوط والفساد، ناقلين إليه رسالة فرح الروح القدس، حتى يكتسب هذا العالم مجدّداً المعنى الذي كان له عند الخلق.

و – يوم الأحد

يعيش المسيحيّون القيامة والعنصرة كلّما اجتمعوا لإقامة سرّ الشكر، وخاصة أيام الآحاد. لذلك يرتّلون بحماس: “قد رأينا النور الحقيقي، وأخذنا الروح السماوي…”، قبل أن يحثّهم الكاهن على الذهاب إلى العالم ونقل الفرح والرسالة الخلاصيّة إليه: “لنخرج بسلام”.

ويدلّنا هذا الأمر على أننا، في الزمن الليتورجي، لا نكون بصدد ذكريات معيّنة أو أوقات محدّدة يُدعى فيها المسيحي إلى أن يحيا بطريقة مختلفة، ناسياً مشاغله وأمور حياته اليوميّة. وبكلام آخر، ليس المقصود انخطافاً وقتياً وابتعاداً عن متاعب الحياة، فالمسيحي مدعو إلى أن يتابع في حياته كلّها ما يحياه في الزمان والمكان الليتورجيين، وإلى أن ينير حياته كلّها بحدث القيامة والعنصرة.

ولكنها ليست مسألة سهلة عند الإنسان العائش في وسط العالم. لذلك عليه أن يعود إلى المناخ الليتورجي ويعاود الحياة في فرح القيامة والعنصرة، لكي ينطلق إلى العالم بقوّة جديدة، إلى أن يحين موعد مجيء الربّ الثاني، فيحيا الإنسان والعالم بأسره الليتورجيا الإلهية الدائمة في مجد القيامة والعنصرة الأبدي (أنظر رؤ21: 22-25، أش 60: 1-22).

 


حاشية مرتبطة مع العنوان “السنة الطقسية”: راجع ( من أجل فهم الليتورجيا وعيشها ) لرهبنة دير الحرف و ( ذبيحة التسبيح ) لفريد حداد ، منشورات النور ( الناشر ).

(1) راجع ( زمن التريودي ) ، لمجموعة من المؤلفين ، سلسلة ( تعرَّف الى كنيستك ) منشورات النور ( الناشر ).